لاشك أن شعر العاميه المصرية

 

لاشك أن شعر العاميه المصرية هو الرافد الشعري الأقرب إلى الوجدان الشعبي , فبرغم مروره بمراحل تطور مختلفة منذ ظهوره الشفاهي لدى الشاعر الشعبي  والذى ظل باقيا عبر الرواة وحتى مرحلة التدوين فى العصر الحديث وبداية من طرحه لخلاصة الحكمة الإنسانية فى مربعات إبن عروس وحتى ظهور قصيدة النثر المكتوبة بالعامية فى بداية التسعينيات من القرن الماضي  والتى اتجهت إلى طرح اليومي والهامشي والعناية بالتفاصيل الصغيرة  , متجاورة مع أشكال وقوالب أخرى مثل القصيدة الزجلية وقصيدة التفعيلة ,  ظلت القصيدة العامية ملاحقة لتطور القصيدة المكتوبة بالفصحى  وكان من أسباب انتشارها فى العصر الحديث بمختلف البلدان العربية ظهور الوسائط الإعلامية الحديثة , مثل السينما والتلفاز وأخيرا الإنترنت  , كما تطورت أيضا أشكال الكتابة بالعاميه من جيل  إلى جيل حتى هذا الجيل الذى يشق طريقه فى  فضاء إبداع العاميه الرحب  , هذا الجيل المستوعب لمنجزه السابق  فى محاولة للإختلاف  عن الرواد والأعلام الراسخة , قد يشوب تجربته  أحيانا تأثيرا بجماليات خاصة لشاعر ما الا أنها تجاهد مخلصة لصناعة صوتها الخاص وشخصيتها الفارقة  باختلاف الظروف الإجتماعية والمتغيرات السياسية التي تحاوط هذا الجيل , ولا مجال هنا للتعرض إلى هذه المتغيرات بقدر التعرض لتجربة شريحة من هذا الجيل من شباب كتاب العاميه المصرية , نقدمهم كنموذج  لقصيدة العاميه التى تتشكل فى بوتقتها الخاصة لتكون مؤشرا لجيل يمتد عبر ربوع المحروسة ليشكل خريطة شعر العاميه القادمة ,

هؤلاء الشعراء الشباب يشتركون فى عدم صدور ديوان خاص لأحدهم برغم وجود مخطوطات دواوين لدى البعض منهم , يتعثرون لنشر أعمالهم إلا على مواقع التواصل الإجتماعي  والتي أتاحت فرصة التعرف عليهم وعلى تجاربهم , منهم من نشر ورقيا بجريدة أو بمجلة أو بديوان مشترك  , ولكن يظل النشر الأليكتروني هو الأيسر والأكثر إهتماما لديهم ,

وباستثناء الشاعر (عمرو العزالي) وهو أكبرهم سنا على ما أعتقد ويكتب قصيدة النثر العاميه وقام بنشر عدة قصائد بجريدة أخبار الأدب  وأماكن أخرى , مادون ذلك من الشعراء فهم فى العشرينات من عمرهم , يعيشون فى مدن وقرى مصرية وليسوا ببعيدين عن المركز , يتواصلون عبر الأثير مع جمهورهم الإفتراضي , يلعبون باللهجة والمجاز كما يحلو لهم ولنا يتنفسون هوائهم النقى ويكتبون قصائدهم بوعيهم الخاص والذى يطرح لنا رؤى فى تأمل الحياة والموت وتفاصيلهما الخاصة, يشتبكون مع اليومي والمقدس وماوراء الأشياء , ويسردون العلاقات الرومانسية المفعمة بدفأ المشاعر ولا يهملون همهم العام الذى هو همنا , وهكذا كانت القصيدة العامية عبر تاريخها وتحولها من الشفاهية إلى الكتابة , وهكذا كان النقد غائبا عنها ، لايقوم بوظيفته المرجوة فى اكتشاف الجيد من الكتابة وتقديمه لجمهور القراء باعتبار أن قصيدة العامية المصرية أصبحت تخضع لجماليات التدوين مع احتفاظها بجماليات القول واقترابها من أذن وعقل ووجدان المتلقى  بما تحمله من إيقاع اللغة المتفردة حتى وإن كان النص نثريا , فهو نتاج ثراثها المكتوب والشفاهي , تداخل مع الحكاية الشعبية والموروث وايضا مع الحداثة والعولمة, قصيدة لها مرجعيتها ولها أيضا طموحها فى الاستقلال عن سابقتها وهو الطموح الذى لا يعترف بحدود فى المعرفة والإبداع  , استفاد من الرواية الحديثة ولعبة سوبر ماريو  والكوميكس كما استفاد من الموشحة والمربع والقصيدة العمودية ,

يقول الشاعر أحمد خير الله ( ... نبضك بيعزف لحن مش معروف / وانت اللي بادئ رقص فى الدنيا /  تتهجى بعيونك تفاصيل الحياه / فتتوه مابين ضحكتك والآه / وتتوه مابين المختلف وملامح المألوف / وتتوه مابين جذب السما للروح / وجذب التراب للجسم ...) فيطرح لنا تأمله فى الحياة والموت وحيرته الكونية  ويقول الشاعر  أحمد عفيفي ( ... سكير كفيف / عمره ماشاف الكاس لكن داقه / عمره ماخاف م الليل وأعبائه / اضناه على طول الطريق / قصص انتظار خطو النبي / عدى النبي ماشافوش ..) يشتبك الشاعر هنا بسؤال خفى  مع مقدسه , يطرحون أسألتهم الوجودية واليومية , فى قوالب تبدو تقليدية , بروح مفعمة بالتمرد وعدم الرضوخ للمألوف ,

نحن هنا لسنا فى موضع مسح لقصيدة هذا الجيل  وتحليل جمالياتها فهذا شرف لا ندعيه ، لكنها محاولة متواضعة لتقديم مجموعة من الشعراء يمثلون نموذجا  لجيل عمرى  وإبداعى بأطروحتهم التى تتعامل بحساسية مع العاميه على مستوى الفكرة والوعى حتى فى استخدام المفردة  التى تتضافر أحيانا مع المفردة الفصحى وهو استخدام جمالي ليس بجديد ، لكنه يقدم لنا تجربة  يجب علينا أن ننتبه  لرهافتها

 يقول الشاعر محمد رضا العوضي: ( .. هانزف دموعي فى خلوتي / واخرج عليك ِ  مبتسم / حاولى انتٍ بس تصدقي / إن هذا الحضن مش ليكِ / مابقاش دفيان / اصبح بيبخ وداع ..)

تقترب النصوص أحيانا من خبايا النفس ومن لحظات الفراق القاسية وتلجأ إلى الغناء والموسيقي كما تلجأ أحيانا إلى السطر الشعري المركب لكنها تشترك فى طزاجة التصوير وبكارته فى ذهنيتها وحركتها السينمائية الوامضة . وأخيرا اتوجه بالشكر للشاعر الشاب محمود رأفت لمساعدته فى التعرف على تجارب جيله الواعد من شعراء العاميه المصرية .

حاتم مرعي

 

 

  1. -   عمرو العزالي/  محل لعب

اللعَب مش بتجري على فقاعات الميه اللي بتملى المحل

كفاية تبص وتضحك

وتطق على كف اللي جنبها

يومياً

بتملى الفترينة ضحك

على مشهد ( سقيل ) في ( تخاريف )

القرد بيطبل نفس الطبلة

وقت التجربة للزبون ...

ومحدش بيسيبه يكمل لحن للآخر

وبيبقى نفسه يداري العيب اللي فيه علشان يهج

هو الوحيد اللي عارف انه اعادة تصنيع من اسد

ولعبة العساكر

اللي بتتباع دلوقت من غير سلاح

ومتنفضه من أي حبة رمل

بتضحك ضحكة مش مفهومة

للفوانيس الصيني اللي مش حابة صوت عبد المطلب

لسه قدامها سنين على ما تتعود ..

وبعدين تحبه

مش مهم الحب ييجي في الاول

ومش مهم ان البلاستيك

مش بيرضي عزة نفس القطر

اللي واقف هنا

من أيام انا ما خسرت كل فلوسي في بنك الحظ

ومن ايام ما بدأت العروسة الرخيصة

تدور يوماتي في صفحة الوفيات على سوبر مان

اللي أقنعها انه بطّل يطير

وانه هيموت لو افترقوا

اللعب الغالية زهقت م الشرب

وم الاشاعات والنميمة

في حفلات بتتعمل من غير مناسبة

والرخيصة زهقت م التراب

ومستعدة كل يوم

تنادي الأبهات م الشوارع

وتفكرهم بتواريخ الميلاد

وبتشاور لعيون العيال بمحبة

وبتفتن لهم ع الفلوس اللي في الجيوب المتدارية

وبتتقطع وهي مش قادرة تمسح من على خدودهم حرمان يومي

وهي عارفة انها وسيلة ضغط وحيدة

من شريكها الوحيد

في العالم الافتراضي

الدباديب

بتريح ضميرها بطريقة واحدة

لما بتدخل بمنتهى المودة

في احلام يقظتهم

ومفيش مانع تقضي معاهم اسبوع الاكتئاب بتاع اول جرح

وتسيبهم يسلفوها لأصحابهم

وتروح لهم

في اي حلم

في اي ساعة متأخرة

وتشارك البنات

في عنيهم اللي ملت البص من ورا النضارات العملاقة النو فريم

ع العيال المتعبية في كراتين

ومالية الشوارع

بزرار حركة مفوت

وع الجيل اللي صدق ان الامير اتجوز الكاميريرا سندريلا

عشان الساحرة وفردة الجزمة

ورشاش بتمان اصوات

صوت واحد للقتل

والباقي على ذوق اللي بيسمع

جيل

كان مستعد بصدق أي حد يركب له

زرار حركة سليم.

 

  1. -    محمود رأفت/ مابين الوقت والضلمه

هاقول الشعر

لو كان البراح خانق

وكل الناس

بقت ع البعد بتعافر

وخوفهم كل يوم بيزيد

من الفرصه وشوق لجديد

ونار ولعانه جواهم

براح خانق

وضلمه عنيده لم تزهق

وانا واقف كده ضاحك

عليهم بس تحت لتحت

ماحبيتش الغباء يفهم

بإني ارتحت

وإني أخيراً اتفتّحت

ورق نورِي

بقى زاهد فى كل الخلق

وشوقي للي فات بيقل

ولما العمر بيطوّل

حنيني بينكمش

ولاّ الغرام بيطل؟

باشوفِك فى السما غنوه

واشوفهم زحمه ع الأراضين

وصوره تملّي سطحيه

لخلق مبروزة الميادين

أنا طبعا هاعود للطين

مافيش مهرب

ولا عادت حكاية الموت

تخلّي الجسم يتكهرب

طبيعي الصدمه بتغيّر

شريد البال ومتغرّب.                                     

 

  1. -    جبر الصغيّر/ السر

مالت علي كتفي

 رفرف ورق طوبي

 وقع علي معصمي

 رًقص خطوط كفي

 طيور الجنة شفايفها

 عزفت لحنها عاشقاك

 خيوط الصراط دي رموشها

 تهديني سيره

لو قالت حباك

إن نهديكِ الكوثر

 و انا كل اما اشرب باسكر

و انا كل اما اسكر أشرب

 و غريبة عطشي بيكبر

 و انا كل اما اعطش أزهد

ف اشتاق

و انا شوقي روح شهدا

 شايلين ف كفوفهم

 دمع لعشاق متفارقة

 و يزيد الحمل علي إيديهم

ف بتنزل دمعة

 تحيا ف سما عيونّا

 ف يبان لمعان

 جاي يعلن شوقنا

ف قولوا  للقلوب الكافرة بالهوي

 إزاي بتتعبد

 ادائي ماكانش صَلة

 لما قلعت قلبي

 عند باب المسجد

 ما مطرتش عيني دموع

 ما زارش روحي خشوع.

او لم تؤمن؟!

 بلي ...اقسم بالله

 والسر هوايا اتجاه.

 

  1. -    عمر الفارس/ الرصيف

الرصيف

أكبر مخآدع فى الوجود

رمز الحدود

شال الفقير فى البرد بس مدفاهوش

نآيم عليه كل العيال الطآمحين

والحالمين .. برغيف بشوش

ولا عمره فكر مرة يعرض أي شئ

بيمص بدل الدم عمر ويسقي طين

بيربي كل المجرمين على إنهم أهل الشرف

بيلم أولاد الترف تحته فى خآنة " مخطوفين "

يمكن يكون .. ملّه وعلم لمجروحين

لكنه كان صاحب عشان زاده الدموع

إسأل جميع من دآقوا نومة على الرصيف

راح يحكوا إنه قد سلب حق الرجوع

من تآني للطعم النضيف

عوّدهم النوم الخفيف

لما تعوز انك تكون جوا ف أحضان الوطن

وتحس طعم جفاه ومعناة الشجن

إذهب إليه .. هتحس فيه :

وكإن كل رسالة فيها خوف و لوم

او غيرها م اللي فيه هموم

كآنوا اتحكوا للنيل فى يوم

راحوا إليه

بيبان لك انه

- قهوة للي نآقصه راحه أو فرح

أو بار لمن كآن انجرح

أو إنه حتى ملاذ كبير

لحد خآنه حلمه إنه يبقى فوق

او حتى للي جاي له بيحاسبه الضمير-

ده صديق صدوق

لكنّه ذا القلب الضرير

تربه عشان الأمنيات

بينتشي يشوف البشر تلهث إليه

ويحب يتسلطن بأصوات الأهات.

 

  1. -    محمود محمد محمود/ بطعم الدنيا

بيقولوا العمر اما بيطوَل

بيلبس صاحبه الشوك ع اللحم

 والشعر الابيض عنده وقار

بيساعده سواعي ف شيل الهم 

كُبَّاره وفاهم ومجرب

وماحدش يستجري يقرب

من واحد

 أمراض الدنيا

بتخلص منه خطايا صباه

عن واحد كمل دلوقتي

إسبوع بالظبط ف إيد مولاه

كان عم دسوقي المتوفي

فى خناقة عطوه الميكانيكي

 مع سيد سواق اللوري

بيقول مسامحكم ياحبايب

 وياريتكو ف آخر أنفاسي

 تتصالحوا وتيجوا تباركوا لي

هاتزف الليله علي إيديكم

 بالكفن الابيض علي قبري

 وهافرتك كل اللي جنيته

وخبيته ف حصالة صبري

الشارع يومها كان مليان

 والزحمه ويا اللهفه تخض

 مع إن الراجل ده بالذات

عمره ماكان طيب يوم مع حد

كان نفسي أطير من فوق الناس

واوصل له بأي طريقه تكون

واحكي له حكايه أخرها سؤال

ويقول لي قبل مايمشي الرد

عن نادر صاحبي المتوفي

 بالشنق ف أوضته المقفوله

 وسايب لي كلمه تفكرني

بالحلم وأيامنا الأولي

ببساطة لغته اللي وارثها

من جده الميت من سنتين

كان نادر عمره لسه مجاش خمسه وعشرين

شاب ماعندوش نفس الخبره

وانتهي مالصبر وطول لياليه

طب عم دسوقي اللي معدي

الخمسه وتمانين

كان صابر كل العمر ده ليه؟!

 

  1. -    محمد رضا العوضي/ المشهد

وقفِت على صدري

بتتنهد

رقصِت

فاتلخبط دق القلب بدق الكعب

المشهد

شجرة جميز

ومقام

وعيال

وعجوز بينهم يشبههم

واد منبوذ م الدنيا

سلموه للبرد

نشف جتته

جات بنت

لمسها جسمه فارتعش

لان

بان ضعيف

نشرت في : ١٣‏/١١‏/٢٠١٨ ١١:٢٩ ص

برمجة وتصميم اموالي 2019